Header image for news printout

جلسة خاصة لمجلس حقوق الإنسان بشأن حالة حقوق الإنسان لأقلية الروهينغا المسلمة وغيرها من الأقليات في ولاية راخين في ميانمار

خطاب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين

 

5 كانون الأول/ديسمبر 2017

حضرة الرئيس المحترم،
حضرة الممثل الخاص للأمين العام،
حضرة رئيسة لجنة التنسيق ديفانداس أغيلار،
حضرة رئيس بعثة تقصي الحقائق داروسمان،
أصحاب المعالي،
أيها الزملاء والأصدقاء الكرام،

أشعر بالامتنان إزاء هذه الفرصة التي سنحت لي كي أقدم إلى مجلس حقوق الإنسان موجزاً بشأن حالة حقوق الإنسان في ميانمار، لا سيما مخاوفنا الشديدة الملحة المتعلقة بالظروف التي لحقت بالروهينغا في ولاية راخين، والتي سرَّعت حركة النزوح المكثفة نحو بنغلاديش منذ تشرين الأول/أكتوبر 2016، تحديداً منذ آب/أغسطس 2017.

إنني أدين أولاً كل أعمال العنف، سواء ارتكبتها قوات الأمن أو المتمردون. ولا يزال العدد الهائل للأشخاص الذين أجبروا على مغادرة ديارهم يدعو إلى الذهول. إذ بحلول الثاني من كانون الأول/ديسمبر، بلغ عدد الذين فروا إلى بنغلاديش 626 ألف لاجىء. وتشير التقارير إلى أن السكان يواصلون الفرار، في ظل الحديث عن هرب نحو 1622 شخصاً من ولاية راخين الشمالية منذ 26 تشرين الثاني/نوفمبر. بعبارات أخرى، يبدو أن أكثر من نصف العدد المقدر للروهينغا الذين يعيشون في ولاية راخين أجبروا على مغادرة منازلهم ووطنهم، وإنه لمن المستحيل ببساطة تخمين عدد الأشخاص الذين اعتقلوا أو اختفوا أو قتلوا أو لاقوا حتفهم على الطريق.

وكما أطلعت المجلس سابقاً، تشير بعض التقارير الموثوقة إلى انتشار هجمات وحشية ممنهجة ومروعة ضد جماعة الروهينغا على يد قوات الأمن التابعة لميانمار، والتي ارتكبت أعمالها في بعض الأوقات بالتنسيق مع الميليشيا المحلية. ووُصفت الحملات الأخيرة، التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2016 واشتدت وطأتها في آب/أغسطس 2017، بأنها تصدٍّ للهجمات التي شنَّها المتمردون، لكن يبدو أنها استهدفت المدنيين على نحو متعمد ومكثف. وسبق هذه الحملات قيام جولات دورية من العنف، بالإضافة إلى عقود من التمييز الممنهج والاضطهاد الموجه ضد الروهينغا، كما أوردت في تقريري إلى هذا المجلس في حزيران/يونيو 2016.

على مدى العام الماضي، إذ واجهت رفض سلطات ميانمار منح مكتبي تيسير الوصول إلى ولاية راخين، أرسلت ثلاثة فرق إلى بنغلاديش من أجل رصد الحالة وإجراء مقابلات مع اللاجئين. وأعطى الشهود في مختلف المواقع تقارير متناغمة عن أعمال بربرية مروعة ارتُكبت ضد الروهينغا، بما في ذلك حرق الأشخاص عمداً حتى الموت داخل بيوتهم؛ قتل الأطفال والبالغين؛ إطلاق النار عشوائياً على المدنيين الفارين؛ انتشار اغتصاب النساء والفتيات؛ وحرق وتدمير البيوت والمدارس والأسواق والجوامع. كما كشف العديد من الضحايا لموظفي مكتبي عن تعرضهم لجروح حادة. وفي بعض المواقع، أفاد الشهود أن الرجال فُصلوا عن النساء والأطفال وأُخذوا بعيداً من قبل قوات الأمن.

ثمة مؤشرات موثوقة عن أن هذه الحملات العنيفة استهدفت الروهينغا لأنهم من أقلية الروهينغا، أي لسبب عرقي أو ديني، وربما للسببين معاً. وفي بعض الحالات، حذرت السلطات جماعات الروهينغا مسبقاً من أن بيوتهم ستتعرض للهجوم، ما يشير إلى أن هذه الهجمات كان مخططاً لها مسبقاً. كما تشكل نقاط التشابه في الأنماط وطريقة العمل مع مرور الوقت وعبر منطقة واسعة مؤشراً على مخطط منظم لحملة من العنف استهدفت أعداداً كبيرة من الأشخاص الذين قُتلوا أو هدِّدوا بالقتل إذا ظلوا حيث كانوا يتواجدون. أودُّ أن ألفت أيضاً إلى أن المعلومات تشير إلى أن قوات الأمن التابعة لميانمار زرعت الألغام على طول الحدود مع بنغلاديش في أواخر آب/أغسطس، وذلك في أعقاب فرار أعداد كبيرة من السكان، ولربما كان الهدف يكمن في منع اللاجئين من العودة إلى ميانمار.

لا بدَّ من الاعتراف هنا بالسياق التاريخي. فجماعة الروهينغا التي تدعي بأن لها جذوراً راسخة في ولاية راخين قاست تفاقم التمييز ضدها تدريجياً على مدى 55 عاماً الماضية، على أن حدة هذا التمييز زادت في السنوات الخمس الأخيرة بالمقارنة مع الخمسين عاماً السابقة مجتمعة. ومنذ السبعينيات، حصلت العديد من حالات تنقل مئات آلاف الروهينغا الذين فروا جراء تصاعد الاضطهاد بحقهم. أما قانون الجنسية الصادر في ميانمار عام 1982، والذي يضر أيضاً بأقليات أخرى، فينكر تكافؤ فرص حصول الروهينغا على الجنسية. وهذا ما جعل السواد الأعظم من الروهينغا عديمي الجنسية وانتهك حقوقهم المدنية والسياسية. ولم يتم إصدار وثائق ولادة للأطفال من الروهينغا منذ التسعينيات على الأقل، ما يشكل انتهاكاً لاتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها ميانمار عام 1991. وفي أعقاب أعمال العنف التي حدثت في عام 2012، تفاقم التمييز ضد الروهينغا بشكل حاد. على سبيل المثال، لم يُسمح لأي مسلم واحد أن يقصد الجامعة في ولاية راخين؛ ومُنع الحصول على القروض المصرفية والقروض الزراعية تدريجياً؛ وجُرِّد الروهينغا من بطاقات هوياتهم وحقهم في التصويت وحقهم في تشكيل الأحزاب السياسية. أكثر من ذلك، يُنظر بشكل كبير إلى حزمة القوانين الأربعة التي اعتُمدت في عام 2015، والمعروفة باسم حزمة حماية العرق والدين، على أنها تستهدف الروهينغا المسلمين، بالرغم من أن لديها عواقب خطيرة على حقوق الأقليات الدينية الأخرى، بالإضافة إلى النساء والأطفال في أنحاء ميانمار. ولم تعالج الحكومة المدنية الحالية التي تحظى بغالبية في البرلمان الطابع التمييزي الواضح لهذه الحزمة التشريعية، بالرغم من التوصيات التي أطلقتها العديد من آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان ومكتبي.

بما أن الروهينغا ليسوا من مواطني ميانمار، يتم رفض الطلبات التي يتقدمون بها للتدريب المهني، بما في ذلك أي مهن في المجال الطبي وكأساتذة للتعليم. وفي ولاية راخين الشمالية، توجب القرارات المحلية عليهم الحصول على إذن للزواج وبناء وترميم البيوت وأماكن العبادة وتقيِّد بشدة تنقلهم وقدرتهم على الوصول إلى الرعاية الصحية والأسواق والأراضي الزراعية ومناطق الصيد والعمالة من أي نوع كانت تقريباً. ويشكل عدم الوصول إلى الرعاية الصحية سبباً مباشراً لحدوث وفيات الأمهات ووفيات الأطفال بمعدلات مرتفعة بين الأسر من الروهينغا. وإنها لانتهاكات واضحة لحقوق هؤلاء الأشخاص الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

لقد أبلغت أيضاً هذا المجلس ومجلس الأمن في السنوات الأخيرة بشأن الادعاءات المستمرة عن ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان من قبل قوات الأمن، بما في ذلك عمليات التوقيف والاعتقال التعسفية وإساءة معاملة المعتقلين وتعذيبهم والعنف الجنسي. وتبدو المقاضاة بشأن الأعمال المزعومة من العنف ضد الروهينغا، بما في ذلك العنف الجنسي، سواء ارتكبتها قوات الأمن أو المدنيون، نادرة إلى حدٍّ كبير. فضلاً عن ذلك، بات التحريض على الكراهية والعنف ضد هذه الجماعة منتشراً على نطاق واسع عقب أعمال العنف التي حصلت في ولاية راخين في عام 2012. واتخذت السلطات خطوات ضئيلة، هذا إن وجدت، من أجل دحض النظرة السائدة لدى العديد من السكان في ميانمار بأن جماعة الروهينغا كائنات فضائية وبالكاد مخلوقات بشرية، وبأنهم لا يستحقون حقوقهم في مجال حقوق الإنسان ويشكلون تهديداً يجب تدميره. وتمَّ توثيق هذه الأنماط من الانتهاكات لحقوق الإنسان ضد الروهينغا من قبل المقررين الخاصين المتلاحقين منذ عام 1992، بالإضافة إلى مكتبي.

يشكل رفض بعض الجهات الدولية كما الجهات المحلية ذكر تسمية الروهينغا، بغية الاعتراف بهم كجماعة واحترام حقهم في تحديد هويتهم الذاتية، شكلاً إضافياً من أشكال الإذلال ويؤدي إلى تناقض مخزٍ: هم يحرمون من ذكر تسميتهم، فيما يستهدفون بسبب هويتهم. لقد تعرض الروهينغا للهجوم جسدياً وجرى قمعهم وحرمانهم من الجنسية والحقوق. فإلى أي مدى يجب أن يقاسي هؤلاء الأشخاص قبل أن يتم الاعتراف بمعاناتهم والإقرار بهويتهم وحقوقهم من قبل حكومتهم ومن قبل العالم؟

حضرة الرئيس،

لقد قام مكتبي والمقررون الخاصون المتلاحقون بالإبلاغ مراراً وتكراراً وعلناً على مدى عدة سنوات عن التمييز الراسخ والممنهج والمؤسسي ضد الروهينغا، في السياسة وفي القانون وفي الممارسة، وقدموا إلى السلطات المساعدة لإجراء التغييرات الضرورية. وفي عام 2016، أبلغت هذا المجلس أن نمط الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بحق الروهينغا يشير إلى هجوم واسع النطاق أو ممنهج ضد هذه الجماعة، ولربما يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية ويستدعي اهتمام المحكمة الجنائية الدولية.

وفي ظل عدم تيسير الوصول إلى ولاية راخين، لا يزال من الصعب القيام برصد كامل للانتهاكات التي حدثت ولا تزال تحدث على ما يبدو. مع ذلك، بالنظر إلى عقود من انعدام الجنسية فضلاً عن التمييز الممنهج والنظامي ضد الروهينغا؛ وسياسات الفصل والاستبعاد والتهميش؛ والأنماط الراسخة من الانتهاكات والتجاوزات مع وصول ضئيل إلى العدالة والتعويض أو عدمه؛ وبالنظر إلى الادعاءات الأخيرة بالقتل عبر إطلاق الرصاص عشوائياً واستخدام القنابل وإطلاق النار من مسافة قريبة وعمليات الطعن والضرب حتى الموت وإحراق البيوت مع الأسر في داخلها؛ والضرر الخطير اللاحق بالروهينغا جسدياً أو نفسياً بما في ذلك الأطفال؛ والخضوع إلى مختلف أشكال التعذيب أو سوء المعاملة والتعرض للضرب والاستغلال جنسياً والاغتصاب؛ وبالنظر إلى التهجير القسري والتدمير الممنهج للقرى والبيوت والممتلكات وسبل العيش؛ وبالنظر أيضاً إلى أن الروهينغا يحددون هويتهم على أنهم جماعة عرقية مميزة لها لغتها وثقافتها وهم يعتبرون من قبل الجناة أنفسهم أيضاً بأنهم ينتمون إلى جماعة وطنية أو عرقية أو عنصرية أو دينية مختلفة، بالنظر إلى كل هذا، هل يستطيع أحد أن يستبعد إمكانية وجود عناصر على الإبادة الجماعية؟

في نهاية المطاف، إنه قرار قانوني لا يمكن أن تصدره إلا محكمة مختصة. لكن المخاوف خطيرة للغاية وتدعو بوضوح إلى منح تيسير الوصول فوراً من أجل المزيد من التحقيق.

حضرة الرئيس،

يؤسفني جداً أن حكومة ميانمار فشلت إلى حدٍّ كبير في العمل على التوصيات المتعلقة بحالة الروهينغا المسلمين وغيرهم من الأقليات، والتي وضعتها الآليات المعنية بحقوق الإنسان ومكتبي. وإنني أتوجه بالشكر إلى حكومة بنغلاديش إزاء تقديمها المساعدة إلى مكتبي وأكثر من ذلك إلى اللاجئين الذين يجب احترام حقوقهم بالكامل. وأشيد بهذا المجلس لاستجابته إلى الأزمة في ولاية راخين وقراره بتكليف البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن ميانمار، والتي سيكون تقريرها أساسياً من أجل تبيان الحقائق عما حدث بالفعل. وأطلب من المجلس أن يدعو سلطات ميانمار بشكل عاجل إلى وقف فوري ومطلق للعنف الذي يستهدف الروهينغا. كما أدعو السلطات إلى أن تسمح فوراً لمكتبي وللأمم المتحدة بالوصول إلى ولاية راخين من دون قيود. ويجب أن يتم تيسير الوصول للعاملين في المجال الإنساني. فبالرغم من أن السلطات سمحت أخيراً لبرنامج الأغذية العالمي باستئناف العمليات على نحو محدود، إلا أن التجربة الماضية تشير إلى أن تيسير الوصول هذا لا يتم على الأرجح من دون قيود أو يشتمل على الرصد الذي بإمكانه أن يتضمن تلقي المساعدات من قبل المتلقين المعنيين. يجب أن يتم تيسير الوصول أيضاً للمراقبين المعنيين بحقوق الإنسان. وإذا لم يكن لدى السلطات ما تخفيه، فإن لا سبب للخوف من وجود عدد من المراقبين المحايدين، بل على العكس من ذلك تماماً إن تيسير وصول المراقبين المعنيين بحقوق الإنسان ضروري إذا كان لا بدَّ من تحقيق أي تقدم في إعادة بناء الركائز الأساسية للثقة ومنع وقوع العنف مجدداً.

يجب أن يكون من الواضح بصراحة أنه لا يجب حصول إعادة إلى الوطن لأي من اللاجئين في غياب الرصد المستمر لحقوق الإنسان ميدانياً بهدف تهيئة الظروف المناسبة لهم للتمكن من العيش بسلامة وكرامة. ولا يستطيع العالم أن يؤيد الصورة المزيفة المتهورة لهذه الأعمال الوحشية المروعة، التي تعيد الأشخاص إلى ظروف من التمييز الحاد والعنف الكامن الذي من الثابت أنه سيقود في المستقبل إلى المزيد من المعاناة والمزيد من تنقل السكان. وبإمكان المجلس أن يتذكر أنه في عام 1997، عندما كانت عملية إعادة اللاجئين الذين فروا من ولاية راخين في عام 1992 إلى الوطن غير مكتملة بعد، أُجبر عشرات آلاف الروهينغا مجدداً على الهرب من ميانمار.

حضرة الرئيس،

في الختام، نظراً إلى نطاق وخطورة الادعاءات التي أشرت إليها في هذا الخطاب، أطلب من هذا المجلس أن يأخذ بالاعتبار القيام بتوصية إلى الجمعية العامة لكي تنشىء آلية جديدة محايدة ومستقلة مكملة لعمل بعثة تقصي الحقائق، بهدف تقديم المساعدة في إجراء تحقيقات جنائية مستقلة بحق المسؤولين. وسيكون من الضروري أيضاً معالجة الحقوق الخاصة بالأقليات الأخرى في ولاية راخين، بما في ذلك أقلية كمان وأقلية مرو والهندوس وأقلية دايغنت، والتي يُزعم أيضاً أنها تعاني التمييز. كما أن الفشل في معالجة الفقر المزمن الذي يعانيه سكان هذه المنطقة، بما في ذلك غالبية السكان في راخين، هو مضر بحقوقهم وعامل يفاقم الضغوط بين كل المجتمعات الأهلية. ويجب بذل كل الجهود لتصحيح هذا الوضع من قبل الجهات الدولية وحكومة ميانمار على حدٍّ سواء.

لقد حذرت كما المفوضة السامية السابقة والمقررون الخاصون مراراً وتكراراً على مدى سنوات من أن فشل حكومة ميانمار في تصحيح الوضع قد يكون له عواقب خطيرة ومن شأنه أن يزرع بذور اليأس والغضب بل حتى التطرف العنيف. فهل كنا جمعينا على خطأ؟

يبدو من المرجح بشدة أنه مع الاستمرار في إذلال الروهينغا، فإن السلطات الحكومية يمكن أن تؤجج حتى مستويات أكبر من العنف مستقبلاً، مستقطبة عدداً من الجماعات من أنحاء المنطقة ومجبرة إياها ربما على مواجهة طائفية ومدمرةً ما تأملت يوماً تحقيقه لبلدها. ولا يسعنا أن نسمع مجدداً تلك اللازمة التاريخية والمأساوية التي مفادها أن لا أحد كان يعلم أن الأمر كان ليصبح على هذا النحو – يا لتلك الكذبة التي لن نصدقها. وإنني أحث المجلس على اتخاذ الخطوة المناسبة من أجل وقف هذا الجنون الآن.

شكراً لكم