Header image for news printout

علي أي طرف في أفغانستان يعلن اتباعه للشريعة الإسلامية أن يحترم حقوق النساء والفتيات ويكفلها بالحماية

في السابع عشر من شهر أغسطس/آب، وفي أول مؤتمر صحفي يذاع لها على التليفزيون منذ دخول كابل، استمع العالم إلى تطمينات طالبان بعدم التعرض بالأذى أو الانتقام ممن قاومها أو عمل ضدها، بل والأهم، إلى طمأنتها للمجتمع الأفغاني حيال إمكانية استمرار النساء في العمل، واستمرار الفتيات في الذهاب إلى المدرسة "طالما كانت هذه الأنشطة تتوافق مع تعاليم الشريعة الإسلامية."

ينبغي التوضيح أنه لا يوجد في الإسلام ما يسمى بتفسيرأوحد وموحد للشريعة يمكن لأي أحد أن يحتكره أو يتحكم فيه. فمن أهم الأوجه التي تُميّز التقليد الإسلامي عن غيره من الأديان السماوية هو غياب الكهنوت. لا يوجد في الإسلام رهبان ولا حاخامات ولا قساوسة، فكل المؤمنين في الإسلام سواسية كأسنان المشط.

كذلك فإنه وفقا للقرآن، لا يحق لأحد أن يُكره آخرا على التدين، أو أن يفرض عليه أي تشريع ديني (الآية ٢٥٦ من سورة البقرة). وأفضل تعبير عن مقاربة السلطة الدينية -بهذا الشكل القائم على المساواة -نجده في التنوع الذي يزخر به الفهم الديني وتعددية المذاهب الفقهية القائمة إلى يومنا هذا. ويلاحظ أن النساء، كالرجال، لديهن الحقوق والمسؤوليات نفسها فيما يتعلق بتفسير الشريعة، ومن المهم أن يُسمح لهذا التراث الغني والمتنوع من الاستمرار في كافة أنحاء العالم الإسلامي، بما في ذلك أفغانستان.

من المؤكد أن كل السلطات، سواء الرسمية أو الفعلية، في أفغانستان على دراية بالفرق الواضح بين الشريعة والفقه في التراث القانوني الإسلامي. فالشريعة، وتعني التي حرفيا الطريقة، المسار الذي يفضي إلى مورد الماء الجاري، هي الرسالة الإلهية، أي مجموعة القيم والمبادئ الدينية المُرسلة لتوجيه البشر إلى كيفية إدارة شؤون حياتهم. الشريعة هي قيم عالمية بالنسبة لكل المسلمين، ومجموع هذه القيم يشكل مقاصد الشريعة القطعية، التي يُبيّنها القرآن وتتجلى في ممارسات الرسول، والتي يعتقد المسلمون أنها مقدسة وأبديه وصالحة لكل زمان ومكان.

أما الفقه (وهو مشتق من (فَقِهَ) بمعنى فَهِم)، فهو جهد بشري لفهم هذه الرسالة الإلهية وترجمتها إلى قواعد وقوانين دنيوية، ولذلك يتغير الفقه مع تغير الزمان والمكان والأشخاص. وعلى العكس من الشريعة، الفقه إنساني لا مقدس، وهو متغير لا أبدى. ولكن الفضل يرجع إلى الفقه في استمرار تَكشُف معاني الشريعة عبر سياقات المسلمين المتغيرة، مما حافظ على صلة الشريعة بالأزمنة التي يعيشونها.

يشيع سوء تفسير خطير يساوي بين الشريعة الإلهية، بما تحمله من سلطة على القلوب والعقول، وبين الفقه الإنساني غير المعصوم من الخطأ. فكثير هم من يدّعون مناقشة الشريعة، بينما هم فعليا يناقشون الفقه، ويضفون عليه قداسة لا تخصه. طالما اشتمل الفقه على أشكال متعددة من الفهم والتفسيرات الإنسانية للشريعة. وواقع الأمر هو إن الاختلاف معترف به على نطاق واسع ويحظى بالاحترام في التراث التشريعي الإسلامي. روى عن الرسول أنه قال: "اختلاف أمتي رحمة." هذا التشجيع على "المعارضة" وعلى تقبلها، وهذه الاختلافات في الرأي تفسر إلى حد ما السبب وراء وجود هذه المذاهب الفقهية المختلفة.

مع بدء أفغانستان لفصل جديد من كيانها، تستمر الشريعة فيه في لعب دورٍ محوري، فإنه من الضروري عليها ألا تحيد عن قيم الشريعة ومبادئها ومقاصدها الفعلية، المتمثلة في ما يلي:

  1. الكرامة المتأصلة في كل البشر، رجالا ونساءَ على السواء. هذا مبدأ تؤكد عليه كافة المصادر الأصلية للإسلام، ولذلك ينبغي حمايته واتخاذ كافة التدابير اللازمة للتمسك به.
  2. المساواة بين الرجال والنساء أمام الله. هذا مبدأ يُعبّرعنه القرآن بشكل لا لبس فيه من خلال بيان خلق الرجال والنساء من نفس واحدة. كذلك يخاطب الله الرجال والنساء سويا ويذكرهم بشكل متساوٍ فيما يتعلق بالجزاء في الآخرة (الآية الأولى من سورة النساء، والآية ٧١ من سورة التوبة والآية ٣٥ من سورة الأحزاب). نجد تأكيدا على هذا المبدأ أيضا في السنة النبوية.
  3. وجوب إقامة العدل والقسط. العدل هو المصطلح العام الذي يستخدم في الإشارة إلى العدالة والذي ينطوي في يومنا هذا على الفروق الدقيقة ذات الصلة بالمساواة. والعدالة جزء لا يتجزأ من فلسفة القانون في الإسلام، وهكذا ينبغي على أية قوانين أو تعديلات قانونية- تقدم باسم الشريعة والإسلام- أن تعكس قيم العدالة والمساواة. أما القسط، فيٌحيل بشكل خاص إلى الوعي العميق بأشكال الظلم المنهجية والهيكلية التي تتجلى في أي مجتمع، ويحيل كذلك إلى تحقيق العدالة للفئات المتأثرة بهذا الظلم بمن فيها النساء.  قليل هي الآيات التي تكررت في القرآن كتلك التي تحث على القسط (نجد مثلا الآية ١٣٥ من سورة النساء، والآية الثامنة من سورة المائدة والآية ٩٠ من سورة النحل). وعلى نفس المنوال، نجد إدانةشديدة في القرآن للتطفيف، بمعنى عدم المساواة والتمييز (الآيات ١-٦ من سورة المطففين).
  4. الالتزام بضرورةحماية المجموعات المستضعفة، بما في ذلك الناجين والناجيات من العنف. فالرسول يحث المؤمنين على منع الإساءة عندما قال:" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان."

هذه المبادئ، التي نجدها في لب الشريعة، تتسق مع المبادئ والقيم العالمية لحقوق الإنسان، وهي تؤدي عند اتّباعها إلى تحقيق المساواة بين الجنسين والعدالة في القانون والممارسة العملية. وهكذا يمكن القول إن الشريعة من هذا المنظور هي أقرب إلى مفهوم الأخلاقيات التي توجه البشر نحو العدالة والسلوكيات الصحيحة.

طالما سعى الفقهاء المسلمون عبر العصور إلى معالجة تغير السياقات والاحتياجات في مجتمعاتهم. ولإيجاد حلول جديدة للقضايا المستجدة، رجعوا إلى نص القرآن المقدس، تدبروا المعارف التي ُطوّرت في الماضي، ونظروا في الخبرات والقضايا المستجدة بينما هم يطبقون خلال ذلك كله المناهج الفقهية الإسلامية ومبادئ أصول الفقه، أي حرفيا أصول الفهم. و برأي أنه يمكن لهذا التوجه الغني نحو خلق معرفة إسلامية صالحة لكل زمان ومكان أن يستمر، بل ويزدهر في أفغانستان اليوم بطريقة يتكيف فيها مع احتياجاتها، وأن يعالجالقضايا المتعلقة بالعدالة والنوع الاجتماعي.

وقد يتساءل المرء عن كيفية تحقيق ذلك. يمكن للفقهاء القيام بذلك اليوم باستخدام منهجية الاجتهاد (أي بَذل الجهد لتكوين حكم حول مسألة شرعيه)، والاجتهاد هو منهجية محورية في الفقه الإسلامي طالما استخدمت لإيجاد حلول للمسائل المستجدة مع الاسترشاد بمجموعة القيم الغالبة (الشريعة). كانت هذه هي الممارسة التي اتبعها الفقهاء القدامى بالشكل الذي سمّح لهم بتطوير حلول للوفاء باحتياجات مجتمعاتهم الجديدة. وكانت الافتراضات التي جاءوا بها تضرب بجذورها في معارف وقيم ومعايير ومؤسسات زمنهم، والتي هي شديدة الاختلاف عن واقع مجتمعاتنا اليوم واحتياجاتها، بما في ذلك المجتمع الأفغاني.

إن مبادئ العدالة والمساواة بين الجنسين تعني أن النساء والفتيات يحق لهن السعي إلى التعليم والوصول إليه على قدم المساواة مع الرجال. فالآيات الأولى التي نزلت على الرسول أمرت البشر جميعا- رجالا ونساءَ- بالتعلم: "اقرأ" (الآيات ١-٥ من سورة العلق)، وإلى السعي إلى اكتساب المعرفة (الآيات ٧٨ من سورة النحل، و٨٥ من سورة الإسراء، و١١٤ من سورة طه). كذلك فإن العديد من الأحاديث المسنودة إلى الرسول تدعو الرجال والنساء إلى السعي وراء تلك المعرفة ("اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد" أو "اطلبوا العلم ولو في الصين"). وكانت الكثير من صحابيات الرسول راويات للحديث، مما يُشير إلى تقّبل وضعّهن كمصدر للمعرفة. ومنذ الأيام الأولى من الإسلام، ساهم الكثير من المسلمين، رجالا ونساءَ، في العديد من الحقب والبلدان المختلفة في إنتاج المعرفة في مختلف المجالات.

مع الظهور الأخير لـ حالات متزايدة من الزواج القسري، بما ذلك زواج القصر، من المهم التأكيد على أن صحة عقد النكاح في الإسلام تستلزم الوفاء بالعديد من المتطلبات، ومن أهمها مسألة القبول الحر من قبل كلا الطرفين. القرآن يحظر بوضوح الزواج القسري في الآية ١٩ من سورة النساء التي تقول: "لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها". كذلك يقول الرسول صراحةً -في حديث صحيح منسوب إليه- إنه لا يجوز للمرأة أن تُنكح دون رضاها. وعادة ما يتطلب النكاح أيضا موافقة الولي، على الرغم من عدم وجود آيات قرآنية أو دليل في السنة يقتضي ذلك. تكفل الكثير من مواثيق حقوق الإنسان، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، الحق في عقد الزواج دون إكراه برضا الطرفين الكامل، كذلك الحق في الاختيار الحر للشريك. وهذا الحق مكفول بالفعل في العديد من البلدان الإسلامية مثل باكستان وتونس والجزائر والمغرب والمملكة العربية السعودية. 

ولكي يتسنى للطرفين إبداء الرضا والقبول، ينبغي أن يكون الطرفان العازمان على الزواج على دراية تامة بـتبعاته، والفقه الإسلامي واضح حيال ذلك من حيث اشتراط أهليّة العاقدين العقلية والقانونية والفكرية والبدنية، وصلاحيتهما لوقوع العقد عليهما وإبداء الرضا. وهذا المتطلب يعني بالضرورة أن زواج القصر بحكم تعريفه لاغ وباطل. إن الزواج القسري بمثابة اغتصاب، وهي جريمة شنعاء يٌحرّمها الشرع ويعتبرها شكلا من أشكال الحرابة ويخصص لها حدودا وعقوبات غليظة. والزواج القسري، بما في ذلك زواج القصر، لا يتوافق كذلك مع المصالح المرسلة (والتي يقابلها مبدأ المصلحة العامة المعاصر) بالنظر إلى الآثار الضارة التي يلحقها بالنساء والفتيات، والتي تتضمن على سبيل المثال لا الحصر: الدمار النفسي، والحمل المبكر الذي يضر بالأم والطفل ويقلل من إمكانية الحصول على تعليم. كما يحد الزواج القسري وزواج القصر أيضا من قدرة الفتيات والنساء على تطوير أنفسهنوإمكانياتهن لكسب الدخل أسوة بالرجال، وهو الحق الذي يعطيه لهن القرآن (الآية ٣٢ من سورة النساء). يتسق هذا الموقف مع معايير حقوق الإنسان التي تحظر زواج الأطفال تحت سن الثمانية عشر. والكثير من البلدان الإسلامية مثل بنجلاديش وتركيا والجزائر وسيراليون والمغرب قد راجعت النصوص الخاصة بالحد الأدنى لسن الزواج في تشريعاتها ورفعته إلى ١٨ و١٩ وحتى ٢١ عاما.

أخيرا، وفيما يتعلق بالحق الهام في المشاركة السياسية، فإن النساء لديهن الحق في المشاركة السياسية على قدم المساواة مع الرجال اتساقا مع المادة السابعة من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
التي صادقت عليها دولة أفغانستان في عام ٢٠٠٣. تُلزم الاتفاقية الدول الأطراف بالقضاء على التمييز ضد المرأة في حياة البلاد السياسية والعامة، وكفالة إعطاء المرأة الحق في المشاركة في صياغة السياسات الحكومية على قدم المساواة مع الرجال.

التاريخ والممارسة الإسلامية متوافقان تماما مع هذا الالتزام الدولي، فالكثير من الروايات عن الرسول تزخر بأحداث سياسية لعبت فيها النساء، وأولهن خديجة زوجة النبي الأولى، دورا بارزا. إحدى تلك الروايات هي أن الرسول لم يكتف بـبيعة الرجال عندما رغب في الهجرة إلى المدينة، وهكذا طلب مبايعة النساء أيضا (الآية ١٢ من سورة الممتحنة). نجد أن زوجة النبي أم سلمة كانت هي من يقدم له المشورة القانونية والسياسية، وهي من أشارت عليه أثناء صلح الحديبية، وكذلك خلال فتح مكة.  كذلك لم يرد أبدا عن الرسول او عن صحابته أو الخلفاء أي ما يفيد بالاستخفاف من آراء النساء أو منعهن من المشاركة في السياسة كونهن نساء، بل على العكس نجد أن آراء النساء كانت دوما محل تقدير واحترام.

ختاما، ينبغي التأكيد على أن المعايير الدولية لحقوق الإنسان متأصلة في التعاليم الإسلامية، وينبغي أن يؤديا سويا إلى ضمانات وطنية لتحقيق المساواة وعدم التمييز. إن أشكال التمييز، بما في ذلك التمييز ضد النساء والفتيات، تُشّرع لمزيد من العنف ضدهن. وبالنظر إلى دور المساواة المركزي في تحقيق العدالة في يومنا هذا، لا يمكن أن تكون هناك عدالة من دون مساواة بين الرجل والمرأة في فلسفة القانون في الإسلام، ولا عدالة من دون مساواة بين الجنسين في زمننا المعاصر.

بناء على كل ما سبق، ينبغي على أي صياغة مستقبلية للقانون أو أية تعديلات قانونية بمقتضاها أن تؤثر على حقوق النساء وحرياتهن الأساسية أن تتم بشكل تشاركي وشمولي. تُـلزم اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة  في مادتها رقم ٧ الدول الأطراف بالقضاء على التمييز ضد المرأة في حياة البلاد السياسية والعامة، وكفالة إعطاء المرأة الحق في المشاركة في صياغة السياسات الحكومية على قدم المساواة مع الرجال. كذلك، فإن القرآن ينص على الحق في المشاركة الكاملة والمتساوية في الآية ٣٨ من سورة الشورى، وهذه المشاركة يجب أن تتضمن الرجال والنساء ورجال الدين من مختلف المذاهب الفقهية اضافة الى المجتمع الأفغاني الأوسع، بما في ذلك ممثلين عن منظمات حقوق الإنسان وحقوق المرأة، والمحامين، وعلماء اجتماع، والزعماء التقليديين.  يمكن أيضا دعوة خبراء من خارج أفغانستان مثل العلماء ومنظمات الأمم المتحدة والقادة الدينيين للمساعدة في هذه العملية.

يحتاج أي إصلاح تشريعي مستقبلي إلى إدماج التعاليم الإسلامية ومعايير حقوق الإنسان العالمية والضمانات الدستورية الوطنية الخاصة بالمساواة وعدم التمييز، بالشكل الذي يأخذ في الاعتبار واقع الرجال والنساء المعاش للوفاء باحتياجاتهم واحتياجات مجتمعاتهم المتغيرة.

ريم السالم
مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة